سيد محمد طنطاوي

559

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

[ سورة الكهف ( 18 ) : آية 79 ] أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها وكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً ( 79 ) أي قال الخضر لموسى : * ( أَمَّا السَّفِينَةُ ) * التي خرقتها ولم ترض عنه ، * ( فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ ) * أي : لضعفاء من الناس لا يستطيعون دفع الظلم عنهم ، ولم يكن لهم مال يتعيشون منه سواها ، فكان الناس يركبون فيها ويدفعون لهؤلاء المساكين الأجر الذين ينتفعون به . * ( فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها ) * أي : أن أجعلها ذات عيب بالخرق الذي خرقتها فيه ، ولم أرد أن أغرق أهلها كما ظننت يا موسى ، والسبب في ذلك : أنه * ( كانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ ) * ، ظالم ، من دأبه أن يتعقب السفن الصالحة الصحيحة ، ويستولى عليها ، ويأخذها اغتصابا وقسرا من أصحابها . فهذا العيب الذي أحدثته في السفينة . كان سببا في نجاتها من يد الملك الظالم ، وكان سببا في بقائها في أيدي أصحابها المساكين . فالضرر الكبير الذي أحدثته بها ، كان دفعا لضرر أكبر كان ينتظر أصحابها المساكين لو بقيت سليمة . ويرى بعضهم أن المراد بالوراء الأمام . ويرى آخرون أن المراد به الخلف . وقال الزجاج : وراء : يكون للخلف والأمام . ومعناه : ما توارى عنك واستتر . وظاهر قوله - تعالى - : * ( يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً ) * ، يفيد أن هذا الملك كان يأخذ كل سفينة سواء أكانت صحيحة أم معيبة ، ولكن هذا الظاهر غير مراد . وإنما المراد : يأخذ كل سفينة سليمة . بدليل : فأردت أن أعيبها ، أي : لكي لا يأخذها ، ومن هنا قالوا : إن لفظ « سفينة » هنا موصوف لصفة محذوفة . أي : يأخذ كل سفينة صحيحة . و « غصبا » ، منصوب على أنه مصدر مبين لنوع الأخذ . والغصب - من باب ضرب - : أخذ الشيء ظلما وقهرا . ثم بين - سبحانه - ما رد به الخضر على موسى في اعتراضه على الحادثة الثانية فقال - تعالى - :